الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

الاقتصاد المصرى بين الهبوط و الصعود

اقتصاد مصر إلى أين نحن ذاهبون؟.. 1254 مليار جنيه أكبر دين مستحق على مصر فى تاريخها.. 20 مليار دولار حجم احتياطى النقد الأجنبى بنهاية نوفمبر الماضى

د. كمال الجنزورى د. كمال الجنزورى
يؤمن أكثر المتشائمين فى مصر بأن الاقتصاد المرتقب فيما بعد الاستقرار السياسى هو المعيار الأكبر لقياس مدى نجاح ثورة 25 يناير أو فشلها فى تغيير أوضاع هذا البلد، فالناس فى القرى والنجوع وعلى المقاهى وفوق الأسطح وفى القاعات الفاخرة لا حديث لهم سوى الخوف من فوضى سياسية يتبعها انهيار اقتصادى يأكل الأخضر واليابس.. ستتحول الثورة حينها من بارقة أمل إلى فتنة كقطع الليل المظلم، وسيتحسر الناس على أيام العهد السابق، بينما يرى المتفائلون أن حالتى الغموض والضبابية اللتين تغطيان وجه الاقتصاد المصرى إنما هى حالة مخاض طبيعية ناتجة عن هزة تغيير النظام السياسى، وتعبر عن مرحلة التحول نحو مستقبل يحلم الناس بأنه ديمقراطى تحكمه العدالة الاجتماعية.

بلغة الأرقام وحسابات العجز والتضخم وقيود الدين يتجه مؤشر الاقتصاد المصرى نحو الأسفل متأثرا بهزات ارتدادية قوية تمثلت فى سجن رءوس كيانات اقتصادية كبرى تشكلت خلال السنوات الأخيرة «أحمد عز، أحمد المغربى، وزهير جرانة»، أو هروب بعضهم «رشيد محمد رشيد، وحسين سالم»، وهى تفاعلات أثرت ولا شك على مسار تدفق الأموال فى تلك القطاعات التى كان يحكمها هؤلاء بوصفهم أكبر من استفادوا مما يسمى «اقتصاد السوق»، والذى طبقته الحكومات السابقة للثورة بشكل كان فيه الكثير من عدم الشفافية، بدأتها بالخصخصة، ومن بعدها عمليات التخصيص الواسعة، وختمتها بالجمع بين المال والسلطة فى خلوة لم تكن شرعية تمخضت عن ثورة حاولت فيها حكومة الدكتور عصام شرف أن تطوى صفحة الماضى وتفتح أخرى جديدة، إلا أن الواقع الاقتصادى أثبت أنه أقسى بكثير مما تمتلئ به عقول السياسيين من أحلام، فكان التخبط فى الأداء الاقتصادى طبيعيا، وإعادة النظر فى التوجه الاقتصادى حتميا، خاصة أن الأطراف على الساحة كثيرة ومتشعبة والمطالب الاقتصادية المستقبلية تتوالى بين رجال أعمال يضغطون للاحتفاظ بما فى أيديهم، وعمال وموظفين يرغبون فى أجور عادلة، واتفاقيات دولية تكبل أيدى المتفاوضين، ودين خارجى وآخر داخلى يتسابقان لإفساد متعة الحلم، وعجز خانق يجثم على أنفاس الموازنة.

الملف الذى بين يديك الآن لا يعبر عن وجهة نظر بعينها ولا تنتظر منه أن يمنحك الأمل أو يرفع درجة يأسك، إنما هو محاولة للبحث عن إجابات لأسئلة تدور فى ذهنك، واجتهاد لحل ألغاز تقلق منام المخلصين من صانعى القرار الاقتصادى، وهم مطالبون الآن بالجرأة والشجاعة لاتخاذ قرارات حاسمة تحدد توجه الحكومة اقتصاديا، وهل هم مع اقتصاد السوق بمعناه الفطرى «دعه يعمل دعه يمر» أم أنهم يبحثون عن صيغة اشتراكية لهذا المبدأ؟ وهل سنتبرأ من الخصخصة ونستعيد تلك الشركات؟ وكيف سنستغلها؟ وإذا كان بعضهم يرغب مخلصا فى التخلص من شوائب الماضى فهل هذا يعنى أن التوجه نحو الاقتصاد الحر المستخدم فى السابق لم يكن لوجه الوطن؟ وما موقف الحكومات القادمة من الاستثمار الأجنبى؟ ومن أى القطاعات الاقتصادية سيبدأ الإصلاح وأيها أقرب للانفجار؟ عزيزى صانع القرار عليك فقط أن تجيب عن تلك الأسئلة لنعرف إلى أين نحن ذاهبون.

الاستقرار السياسى والأمنى يعيد 10 مليارات دولار استثمارات أجنبية هاربة.. عز العرب: المشهد الانتخابى الإيجابى من شأنه أن يعيد ثقة المستثمرين الأجانب مرة أخرى

هشام العزب وفاروق العقدة هشام العزب وفاروق العقدة
أرجع مصرفيون وخبراء اقتصاديون هروب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة على مدى العام الجارى بقيمة حادة تجاوزت الـ10 مليارات دولار، إلى حالة عدم وضوح الرؤية السياسية خلال الوقت الحالى، وطبيعة نظام الحكم القادم، والانفلات الأمنى الذى عانت منه مصر خلال الشهور القليلة الماضية، مؤكدين أن نجاح التجربة الانتخابية ونزاهتها من شأنها أن تعيد ثقة المستثمرين الأجانب فى الاقتصاد المصرى مرة أخرى، مطالبين بضرورة إعادة النظر فى السياسات المالية والنقدية التى وضعها النظام السابق.

وتنقسم الاستثمارات الأجنبية فى مصر إلى قسمين رئيسيين، مباشرة وغير مباشرة، وباع الأجانب ما فى حوزتهم من استثمارات فى الأوراق المالية بقيمة كبيرة بلغت 7.1 مليار دولار، وهى صافى التدفق للخارج خلال الفترة من يناير إلى يونيو من العام الجارى، نتيجة تخلص الأجانب مما فى حوزتهم من محفظة الأوراق المالية المستثمرة فى مصر، خاصة أذون الخزانة المصرية التى أسفرت عن صافى مبيعات بلغ نحو 6.1 مليار دولار، طبقا لما أعلنه أحدث التقارير الصادرة عن البنك المركزى المصرى.

وقال هشام عز العرب، رئيس مجلس إدارة البنك التجارى الدولى، فى تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع» إن المشهد الانتخابى الإيجابى للمرحلة الأولى من الاستحقاق الانتخابى الأول لمصر بعد ثورة 25 يناير، والتى أجريت على مدى الأسبوعين الماضيين تعد حدثا تاريخيا كبيرا، من شأنه أن يعيد ثقة المستثمرين الأجانب فى الاقتصاد المصرى مرة أخرى، خاصة أن الأجواء الانتخابية بصفة عامة شهدت إقبالا شديدا من الناخبين على التصويت، ونسبة تصويت هى الأعلى فى تاريخ مصر، فى انتخابات ترقبها العالم واتسمت بالنزاهة والشفافية.

وأضاف عز العرب أن الإنتاج والعمل والاستقرار الأمنى وتجميد الاحتجاجات الفئوية تعد أولويات مهمة جدا فى المرحلة الحرجة التى تمر بها مصر حاليا، مؤكدا أن عودة القطاعات الإنتاجية للاقتصاد المصرى للعمل، خاصة الُمدرة للعملة الصعبة، مثل السياحة والاستثمار الأجنبى والتصدير، والتى تعد أهم القطاعات الاقتصادية الداعمة لاحتياطى مصر من النقد الأجنبى، من شأنها أن ترفع أرصدة الاحتياطيات الدولية لمصر، والتى تأثرت بشدة خلال الأشهر الـ11 الأولى من العام الجارى.

وقالت بسنت فهمى، المستشارة السابقة لبنك البركة – مصر والخبيرة المصرفية، إن الاستثمارات الأجنبية بشقيها المباشرة وغير المباشرة تضررت بشدة نتيجة الأحداث السياسية التى مرت بها مصر وسائر الأقطار العربية، فيما عرف إعلاميا بـ«الربيع العربى»، وساهمت الاضطرابات السياسية فى موجة هجرة لتلك الاستثمارات بقيمة بلغت نحو 10 مليارات دولار خلال العام الجارى، مضيفة أن البنوك الإسلامية لا تتعامل فى الاقتصاد غير الحقيقى «الاستثمارات غير المباشرة»، والتى تشمل المضاربات فى أسواق المال، وأسواق صرف العملات، نظرا للأضرار البالغة الناجمة عن تلك التعاملات والخسائر الهائلة التى تحققها، فضلا على عدم اتفاقها مع أحكام الشريعة الإسلامية.

وأضافت فهمى فى تصريحات خاصة لـ»اليوم السابع» أن التعاملات فى أسواق السلع والمنتجات غير الأخلاقية وغير المجازة شرعا مثل منتجات التبغ والسجائر، والخمور وصالات القمار، لا تمولها البنوك الإسلامية، وهى استثمارات لا تشارك فيها البنوك الإسلامية، مؤكدة أن كل أنواع المشروعات الإنتاجية الأخرى، والشراكات مع الشركات متعددة الجنسيات، تمولها البنوك الإسلامية، نظراً لأنها تعد من محفزات النمو الاقتصادى، وتعمل على خلق فرص عمل جديدة.

وعن شكل الاستثمارات الأجنبية وقطاعات الاستثمار فى الأسواق المحلية قالت فهمى إن الاستثمارات الأجانب من الدول الأوروبية والأمريكية، تتركز بشكل كبير فى قطاعات الصناعة والسياحة والاستثمار فى الأوراق المالية من أذون وسندات الخزانة المصرية، مؤكدة أن حجم الاستثمارات على مستوى العالم قلت بشكل حاد خلال العام الماضى، نتيجة لحالة الركود التى عصفت بدول أوروبا وأمريكا.

وأضافت المستشارة السابقة لبنك البركة – مصر والخبيرة المصرفية أن المستثمرين العرب يقبلون على المشروعات العقارية وقطاع المقاولات والأراضى على مدى الفترة الماضية، وإنشاء المدن الجديدة والمولات التجارية، وقطاع السياحة، مطالبة بإعادة النظر فى السياسات النقدية والمالية التى وضعها نظام مبارك السابق.

من جانبه، أرجع محسن رشاد، مدير عام ورئيس قطاع المؤسسات المالية بالبنك العربى الأفريقى الدولى، التراجع الحاد فى الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة خلال العام الجارى إلى الاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار الأمنى، نتيجة أحداث ثورة 25 يناير، وخوف المستثمرين الأجانب من ضبابية الرؤية السياسية، وطبيعة نظام الحكم القادم، موضحا أن الاستثمارات الأجنبية سجلت مستوى 2.2 مليار دولار، فى نهاية السنة المالية الماضية 2010 - 2011 بعد أن سجلت قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008 نحو 13.2 مليار دولار.

وأضاف رشاد، فى تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، أن البنك المركزى المصرى هو الجهة المنوط بها تقييم تلك الأرقام الخاصة بالاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة، وأن الاضطرابات السياسية الأخيرة هى المسؤولة عن خروج تلك الاستثمارات من مصر، وأن نجاح تجربة الانتخابات البرلمانية وما اتسمت به من نزاهة خلال مرحلتها الأولى وما يتبعها من استحقاق رئاسى قادم، من شأنها أن تعيد ثقة المستثمر الأجنبى فى الاقتصاد المصرى مرة أخرى.

وأوضح رشاد أن التخارجات التى حدثت من قبل المستثمرين الأجانب فى الشهور الأولى للثورة من الاستثمار فى أذون وسندات الخزانة المصرية، والتى يطلق عليها «الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة»، بلغت نحو 10 مليارات دولار، متأثرة بالأجواء السلبية التى أثرت سلبا على المستثمرين الأجانب، مؤكدا أن عودة الاستثمار الأجنبى مرهون بتحسن الظروف السياسية واستقرار الأوضاع الأمنية.

وسجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة رقما قياسى لها فى العام المالى 2007 – 2008 13.2 مليار دولار قبل اندلاع الأزمة المالية العالمية، والتى أثرت سلبا بحجم الاستثمارات التى دخلت مصر، لتسجل فى العام التالى 2008 – 2009، 8.1 مليار دولار، وشهدت تلك الاستثمارات نموا بقيمة سالبة لأول مرة فى تاريخها، خلال السنة المالية لتسجل 163.6 مليون دولار، فى نهاية الربع الثالث من العام المالى الماضى، تأثرا بالأحداث السياسية التى مرت بها البلاد والتداعيات السلبية على الاقتصاد، وعادت لتحقق 99 مليون دولار نموا إيجابيا فى الربع الأخير من السنة المالية، والمنتهى فى يونيو الماضى.

وأضاف رشاد أن هذا التراجع يعد الأدنى منذ 7 سنوات، نظرا للأضرار السلبية التى لحقت ببيئة الاستثمار فى مصر نتيجة التداعيات السلبية لثورة 25 يناير، خاصة أن المستثمر الأجنبى يدرس السوق المحلية قبل إقدامه على دخولها، وهو ما ساهم فى خروج تلك الاستثمارات فى أعقاب الثورة بنسبة حادة.

وتابع: إن أعلى مستوى سجلته كان خلال العام المالى 2007 – 2008، عندما سجلت 13.2 مليار دولار، مؤكدا على أهمية الاستقرار السياسى وسرعة إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية لعودة تلك الاستثمارات مرة أخرى، مع عودة ثقة المستثمرين فى الاقتصاد.

وأضاف مدير إدارة المؤسسات المالية بالبنك العربى الأفريقى الدولى أن مناخ الاستثمار تحكمه عدة عوامل منها البيئة التشريعة والقوانين المنظمة للاستثمار والتشريعات الضريبية ومدى سهولة استرداد الأموال المستثمرة فى الأسواق المحلية وتكلفة الأيدى العاملة ومستوى الاستقرار السياسى، مشددا على أهمية العمل على تحسين تلك العوامل خلال الفترة المقبلة لضبط بيئة ومناخ ممارسة الأعمال والاستثمار فى مصر ودفع عجلة النمو الاقتصادى مرة أخرى لمستويات أعلى من ذى قبل.

وأورد تقرير حديث للبنك المركزى المصرى، ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج لتسجل أعلى مستوى فى تاريخها، بنسبة %30.2، بقيمة إجمالية خلال العام المالى 2010 – 2011 لتصل إلى 12.4 مليار دولار، مقارنة بـ9.5 مليار دولار فى العام المالى السابق له، ومقارنة بـ3 مليارات دولار فى العام المالى 2001 – 2002، وهو ما ساهم فى دعم الموارد الدولارية لمصر نتيجة تأثر الموارد الأخرى مثل السياحة والاستثمار.

 «مؤشر البورصة» الحائر بين استثمارات ضائعة وقوانين بالية.. محللون: البورصة لن تدعم «اقتصاد السوق» إلا بـ«القضاء على المضاربات».. وزيادة الإفصاح.. واستقلالها عن الحكومة

البورصة المصرية البورصة المصرية
حالة من الترقب والحذر تسيطر على المستثمرين فى البورصة، سواء الأجانب أو المصريين، بسبب الغموض الذى يسطر على مستقبل الوضع الاقتصادى حاليا ومستقبلا.. فقبل ثورة 25 من يناير كانت البورصة عبارة عن مزيج من المضاربات والعشوائية، وفى الوقت نفسه كان هناك نوع من الاستثمارات الكبيرة التى استفادت منها بعض الشركات العاملة فى السوق والمملوكة لعدد محدد من رجال الأعمال.

قبل الثورة كانت البورصة تتعامل بمنطق القطيع الذى يسير «يشترى أو يبيع» دائما بناء على خبر أو إشاعة، وهو ما كان يُحدث هزات عنيفة فى السوق تضيع معها مدخرات الآلاف من صغار المستثمرين الذين لجأوا للبورصة لاستثمار أموالهم التى حصلوا عليها، غالبا من تسويات المعاش المبكر مثلا، الناتج عن برامج الخصخصة التى كانت عشوائية أيضا وقائمة فى الأساس على جمع المال حتى لو كان على حساب بيع الشركات العامة بأقل من نصف ثمنها وتسريح آلاف العمال بها.

البورصة نفسها كانت غالبا ما تدعم هذا الاستثمار العشوائى باتخاذ العديد من الإجراءات السريعة وغير المدروسة مثل إيقاف وشطب عدد كبير من الشركات دفعة واحدة بحجة أنها لا تلتزم بإجراءات وقواعد القيد مثل ما حدث فى 2009 أثناء تولى ماجد شوقى رئاسة البورصة، والذى أوقف حوالى 30 شركة دفعة واحدة، وهو ما أدى لانهيار السوق وقتها وتجميد ملايين الجنيهات فى هذه الشركات، ورغم قيام إدارة البورصة اللاحقة بإصلاح ما فسد إلى حد ما، إلا إن كانت هناك عيوب كثيرة مثل عدم كفاية عمليات الإفصاح والشفافية من الشركات والبورصة على حد سواء فى كثير من القضايا المهمة للسوق، والتى سعت الرقابة المالية والبورصة لاحقا فى تغيير إجراءاتها إلى حد ما، إلا أنه مازال غير كاف، كما كانت إدارات البورصة تواجه اتهامات متتالية بمحاباة بعض الشركات الكبيرة والتغاضى عن أخطائها فى الوقت الذى تسارع فيه فى اتخاذ عقوبات رادعة للشركات الصغيرة، ورغم نفى مسؤولى البورصة ذلك مرارا فإن الفكرة كانت راسخة عند الكثيرين، وهو ما عمق عدم الثقة فى السوق خلال الفترات السابقة والذى ظهر واضحا فى التدنى الكبير لأحجام التداول والتناقص المتواصل فى السيولة بالسوق.

الحكومة أيضا كانت سببا رئيسيا فى انهيارات البورصة وانعدام الثقة فيها، سواء بسبب عدم الاستقرار السياسى أو بسبب بعض القرارات الاقتصادية العنترية غير المحسوبة التى تعلن عنها من آن لآخر ثم تتراجع عنها ولكن بعدما تحدث انهيارا فى السوق، ولا ينسى أحد الانهيار الكبير الذى شهدته البورصة فى مايو 2008 عندما أعلنت الحكومة نيتها فرض ضرائب على تعاملات البورصة، وهو ما أدى لتراجع السوق بنسبة تجاوزت الـ%15 خلال أسبوع واحد، وهربت مليارات الجنيهات من السوق خوفا من الضرائب الجديدة قبل أن تتراجع الحكومة عن قرارها مرة أخرى، إلا أنها فى 2010 أعادت الكرة نفسها، وأعلنت الحكومة عزمها فرض ضرائب على الأرباح الرأسمالية للشركات المقيدة فى البورصة، وهو ما أحدث نفس التأثير السابق قبل أن تتراجع الحكومة مرة أخرى.. فما هو المطلوب من البورصة لكى تقوم بدور واضح فى دعم اقتصاد السوق؟ وهل البورصة بشكلها الحالى ونظامها قادرة على قيادة اقتصاد جديد أكثر تطورا؟

إسلام عبدالعاطى، المحلل الفنى، قال إن الأزمة الأخيرة كشفت عن أن هناك ضرورة لإعادة النظر فى قوانين الشركات وسوق المال لوضع بنية تشريعية أكثر تناسقا مع معطيات المرحلة الحالية، كما أنها مطالبة بزيادة فاعلية دورها فى توضيح ضوابط حماية صغار المساهمين ودورهم وآليات الحصول على حقوقهم مع مراجعة عدد من البنود القانونية الخاصة بهذه الموضوعات تمهيدا لتعديلها خلال الفترة القريبة القادمة.

كما أن الوضع الحالى يكشف الآن عن ضرورة إعادة صياغة قوانين سوق المال المصرية واللوائح التنفيذية مع ضرورة العمل على توسيع الحالات التى يغطيها قانون سوق المال ليضم جميع الإجراءات التنفيذية لتجنب أن يتم تطبيق إجراءات طبقا لتقدير السلطة الرقابية مع ضمان الحفاظ على المنهج الإصلاحى الحالى لسوق المال المصرية.

ياسر الكمونى، رئيس قسم التحليل الفنى فى شركة نماء لتداول الأوراق المالية، أكد أن أثر القرارات السياسية أصبح واضحا جدا فى البورصة بسبب حساسية البورصة وسوق المال بشكل عام للقرارات السياسية، خصوصا التى ترتبط بمناخ الاستثمار وقضايا رجال الأعمال، لدرجة أنها أصبحت فى كثير من الأحيان أسيرة لبعض القرارات السياسية.

وأضاف الكمونى أن القرارات والأخبار التى صاحبت أزمة «مدينتى» مثلا خلقت قلقا كبيرا وسط المستثمرين الأجانب حتى إن الكثير منهم أحجم من تعاملاته بشكل ملحوظ، وقال الكمونى إن الاستقرار السياسى شرط أساسى لدى المستثمرين الراغبين فى الاستثمار فى أى بلد، وهو مؤشر مهم بالنسبة لهم لدخول سوق معينة أو الخروج منها، ومما لا شك فيه أن هناك قرارات سياسية وأوضاع سياسية غير مستقرة قد تجعل المستثمرين الأجانب يقررون الخروج من السوق.

ولفت الكمونى إلى أن السوق المصرية حاليا لا يتمتع باستقرار سياسى، سواء على مستوى القوانين المنظمة للاستثمار وعلاقات رجال الأعمال الكبار بالسوق أو على مستوى القرار السياسى بشكل عام، وهو ما جعل البورصة عرضة لأى هزات عند رجال الأعمال وعلاقتهم بالسياسة فى الأيام الأخيرة.

ومن جانبه، قال محسن عادل، نائب رئيس الجمعية المصرية لدراسات التمويل والاستثمار، إن التعديل المطلوب من الضرورى أن تستوعب البورصة المصرية تغيرات مطلوب إحداثها خلال الفترة الحالية، ليس فقط على المستوى الفنى والقانونى، ولكن على أساس آليات ونظم العمل، فمن الأهمية البدء فى إجراء تغييرات جوهرية فى سوق المال من خلال إنشاء مؤسسات ذاتية التنظيم SRO لكل نشاط بسوق المال المصرية فهذا النظام يعمل به فى الولايات المتحدة الأمريكية، والفكرة التى تقوم عليها هذه المؤسسات أن يتم إنشاء مؤسسة لكل نشاط على سبيل المثال «السمسرة – إدارة المحافظ – استثمار مباشر – علاقات المستثمرين – إدارة الصناديق» تخضع لرقابة الهيئة العامة للرقابة فيما يتمثل دور هذه المؤسسات ذاتية التنظيم فى منح التراخيص للعاملين والرقابة عليهم وتنظيم العمل، وتكون هذه المؤسسات مكونة من العاملين فى المجال نفسه، حيث إنهم أكثر قدرة على التنظيم مع التأكيد على أن إنشاء مثل هذه المنظمات سيؤدى إلى حل أى جدل حول مسألة تضارب المصالح بين العاملين فى الجهات التنظيمية والرقابية، كما أنه من شأنه أن يعطى مساحة أكبر للبورصة والهيئة للقيام بدورها فى عمليات الرقابة والتفتيش على مؤسسات السوق.

والفترة الحالية تستلزم وضع منهج إفصاحى جديد بالنسبة للشركات المتداولة بالبورصة المصرية، فالفترة الحالية تستلزم تعديل البنود الخاصة بالجزاءات التى يتم تطبيقها على الشركات المقيدة، خاصة أن النظام الحالى لا يتيح متسعا من الإجراءات للتعامل مع الإجراءات المختلفة، فمثلا عملية إيقاف التداول على أسهم الشركة لمخالفتها يصاحبه تضرر المساهمين فى حين لا توجد أمام الرقيب بدائل أخرى أقل حدة لمعاقبة الشركات المخالفة، لذلك فمن الأهمية تدرج العقوبات بحيث يتم إنذار الشركات أو اتخاذ إجراءات تصحيحية ضدها أو حتى تطبيق جزاءات مالية على العاملين أو أصحاب الشركة أنفسهم قبل إيقاف الأسهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق